أهميةٌ البادية السورية في أجندةِ إيران وحلفائها

0

ينتشر النفوذ الإيراني على شكل قوس جغرافي متواصل من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت. بدأ تصاعدياً مع الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وتسارع عندما اندلعت ثورات الربيع العربي وبالأخص في كل من سوريا واليمن، وراحت تتطلع إلى أن تكون القوة المهيمنة في المنطقة. وترى نفسها وكأنها تخلع ثوباً من العزلة الطويلة المختنقة بالعقوبات، فتدخلت منذ انطلاقة الثورة السورية في مارس/ آذار عام 2011م بقوتها العسكرية لحماية حليفها الأسد، وإبعاد الخطر عن خط إمدادها المتصل بحليفها حزب الله اللبناني.

الصراع على الممرات البرية العابرة للبادية السورية

مع استمرار الحرب السورية؛ أدرك الإيرانيون أن الولايات المتحدة تحاول منع وصولهم إلى سوريا عبر العراق فالبادية السورية، لذا دفعت بميليشياتها للاستيلاء على جزء من الحدود شمال شرق معبر الوليد العراقي الحدودي مع سوريا، وتحديداَ في القاعدة الجوية العراقية th-3 “9”, وسيطرت مع حلفائها على مساحة واسعة من البادية السورية وباتت تطوق قاعدة التنف العسكرية من كل الجهات. مما يعكس التصور السائد في المنطقة والغرب بأن طهران تسعى لإقامة ممر بري يربط إيران بالبحر الأبيض المتوسط. ويعتبر الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإسلامي الإيراني (IRGC) أحد المسؤولين عن تنفيذ رؤية السياسة الإيرانية الجديدة. وإعداد اللبنات الأساسية على مدار السنوات الثلاث الماضية، لتحقيق الممر البري الذي سيقطع مسارات متعرجة، مسافة لا تقل عن 800 ميل عن الحدود الغربية لإيران عبر وديان الفرات ودجلة والمساحات الشاسعة من الصحراء في العراق وسوريا.

مسار الممرات، الأهداف والمعوقات

يعبر الممر البري العمق الجغرافي العراقي، وبعد أن يتجاوز أطراف بغداد الجنوبية، يمتد صعوداً إلى صحراء الأنبار، بمحاذاة مدن الفلوجة والرمادي وصولاً إلى الحدود السورية العراقية عند نقطة حميمة، ومنها إلى مدينة السخنة ثم تدمر باتجاه العاصمة دمشق. لكن إيران اصطدمت بعوائق أمنية؛ تمثلت ببقايا تنظيم داعش الذي يجوب البادية السورية، وما يبديه من مقاومة عسكرية شرسة للدفاع عن آخر معاقله في سورية، وبوجود قاعدة التنف العسكرية الأميركية التي تضغط على إيران لوأد هذا المشروع.

وتبرز الأهمية بالنسبة لإيران في ضوء استراتيجيتها التي تعمل وفق التالي:

1ــ التغييرات الديموغرافية الإيرانية في البادية السورية:

كان على إيران وحزب الله إجراء تحولات ديموغرافية عدوانية في بعض المناطق، أي دفع السنة السوريين شمالاً إلى إدلب أو عبر الحدود إلى لبنان، مع جلب الشيعة السوريين والأجانب لإعادة التوطين في أراضي الممر الفارسي.

اليوم على سبيل المثال، مدينة البوكمال السورية تسيطر عليها الميليشيات الشيعية بشكل كامل وكذلك السخنة وتدمر والقرى الواقعة على طول الممر الإيراني.

2- تدفق الموارد الإيرانية إلى سورية:

رسخت إيران وجودها في سورية لوجستياً عبر تدشين طريق “طهران ـ دمشق” وتأمين خط بري يعبر وسط وشمال العراق وحتى دمشق وسواحل المتوسط في اللاذقية ولبنان؛ يشكل الطريق نقطة تحولٍ كبيرةٍ لإيران في المنطقة، إذ سيتيح لها لعب دور محوري في زيادة صادراتها من السلع غير النفطية إلى العراق وسورية ولبنان والأردن والمنطقة العربية عموماً، ويقدم لمنتجاتها ميزة تنافسية عن المنتجات الأخرى بفضل خفض كلفة النقل وسهولة الطريق.

3- تأمين عبور القوات الإيرانية والمليشيات والأسلحة:

استخدمت إيران معبر التنف عند الحدود الإيرانية ممراً لشاحنات أسلحتها إلى حزب الله حتى العام 2011م، لذلك مع تطور الحرب السورية سعت إيران لتوفير طريق آمن تحت سيطرتها لنقل القوات والمليشيات التابعة لها، والعتاد العسكري، بين البلدان الأربعة، بعيداً عن الرقابة الدولية التي تزخر بها الموانئ والطرق التقليدية. ولاستنزاف كمية كبيرة من هذه الأسلحة في حربه ضد السوريين، ولتعويض هذا الاستهلاك العسكري تعمل إيران على تفعيل خط الهلال الشيعي للقيام بتهريب الأسلحة المختلفة لحزب الله ولميليشياتها المتواجدة على الأرض السورية.

ثانيًا: الأهمية في أجندة التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن

تأتي أهمية البادية السورية في أجندات واشنطن بالسيطرة على معبر التنف الحدودي، الذي حولته إلى قاعدة عسكرية عام 2017م، بعد تحريره بمشاركة “جيش سوريا الجديد” الذي عرف لاحقاً باسم “جيش مغاوير الثورة”. تقع القاعدة في منطقة المثلث السوري العراقي الأردني، وتتمتع بموقع استراتيجي على طول طريق سريع (أوتوستراد) يصل نظام الأسد في دمشق بداعميه في طهران، تتمثل أهداف هذه القاعدة بشكل أساسي في تعطيل الممرات التي تستخدمها إيران ومواجهة تمددها، والعمل على قطعها لإضعاف موقف إيران العسكري والاقتصادي، علاوة على الأهداف المرتبطة بأمن المنطقة والمصالح الدولية، والتي يمكن إجمالها بالتالي:

1- أهمية قطع ممرات البادية في سياق التهديدات الأمنية الإيرانية:

لفت انتباه التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن حجم التهديدات الإيرانية للمنطقة مع تزايد نفوذها في سوريا ولبنان، حيث تسيطر “ميليشيا حزب الله” على مفاصل الدولة اللبنانية ،والميليشيات الشيعية على غالبية مناطق سيطرة الأسد، مما شكل هذا النفوذ المرتبط بالإرهاب الإيراني, تهديداً للسلام والأمن في المنطقة، كما أن تواجد الميليشيات الإيرانية في البادية السورية يؤثر على المصالح الأميركية، لذلك تولدت قناعة لدى واشنطن بضرورة التحكم بمصدر التهديد الإيراني المتمثل في قطع ممرات ميليشياتها، من هنا كثفت واشنطن طلعاتها الجوية في المنطقة الممتدة على الشريط الحدودي بين سورية والعراق من قاعدة التنف.

2- الأهمية الجيوسياسية للبادية:

شكل اندحار تنظيم “داعش” مؤخراً وانحساره في جيوب صحراوية متباعدة، بروز البعد الجيوسياسي لأهداف كلٍ من الولايات المتحدة وإيران في البادية السورية التي تتجاوز مدعى الحرب على “الإرهاب” إلى أهداف جوهرية تتمثل في ترسيخ نفوذها في البادية السورية في سياق التنافس الأميركي – الإيراني, فضلاً عن قيام إيران بنشر ميليشياتها العسكرية في أكثر من أربعين موقعاً في البادية السورية, توزعت على طول الممرات البرية, فيما تتمسك الولايات المتحدة ببقاء قواتها في قاعدة التنف  لتتحوّل البادية، إلى ساحة صراع مفتوح على كل الاحتمالات، إذ هاجمت مجموعات من تنظيم داعش في البادية السورية، عناصر قوات النظام والمسلحين الموالين له، لإيجاد ممر لهم من الضفة الشرقية لنهر الفرات نحو الجيب الأكبر والأخير المتبقي للتنظيم في غرب نهر الفرات، والممتد على مساحة نحو 4 آلاف كم مربع.

إذ اجتمعت مصالح المتنافسين على سورية في هذه المنطقة ذات الموقع الاستراتيجي الفريد، ما أعطاها أهمية استثنائية، فضلاً عن كونها غنية بالثروات، لتصبح ميدان مصالح متنافرة، بل متضاربة، ومسرح تصفية حسابات إقليمية ودولية، من المتوقع أن تتصاعد في الفترة المقبلة، وربما تصل إلى مرحلة الصدام العسكري، في سياق بتر الأذرع الإيرانية وإجهاض ممراتها المتشعبة في هذه المنطقة. لأنّ هدف “تقويض طهران” بات يشكل قاسماً مشتركاً لمعظم الفاعلين في الشأن السوري؛ خاصة بعد التوافق الدولي غير المعلن حول السماح لإسرائيل باستهداف تحركات وقواعد طهران المنتشرة في معظم المحافظات.

هذا الاستهداف الذي تزايدت حدته في الآونة الأخيرة، الذي قد يكون من شأنه إبقاء المشهد السوري خاصة والإقليمي عامة، مرشحاً لاضطرابات كبرى، ولكن قد يُخفف من بعضها، تغليب الفاعلين في الولايات المتحدة الأمريكية لسيناريو “الخنق الاقتصادي والاستهداف الدقيق”، الذي يعني – بحسب بعض التصريحات الأمريكية- إ تغيير النظام الإيراني من الداخل من خلال ضرب الاقتصاد المحلي، وإنهاك البلد، واستهداف التواجد الإيراني الإقليمي.

 

مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي

تعليق

Powered by Facebook Comments

تعليق