أبعاد الصراع على البادية السورية في ظل التجاذبات الإقليمية والدولية

12
53 / 100

اتخذت الحرب في البادية السورية منعطفًا جديدًا، عندما تحول التركيز العسكري من المناطق الغربية في البلاد إلى هذه المنطقة الحيوية، حيث أنّ ما يشكله حجم التهديد في البادية السورية بين القوى المتصارعة يثير قلقاً إقليمياً ودولياً، بعد تحويل تلك المناطق إلى بؤر من الصراعات المستمرة، فالجماعات المسلحة المدعومة من الولايات المتحدة وإيران تسعيان إلى الاستيلاء على أراضي البادية أو الدفاع عنها مع وضع هدف واحد في الاعتبار؛ السيطرة على الطريق السريع الاستراتيجي بين دمشق وبغداد.

فإيران التي قامت بتكثيف تواجدها العسكري قبالة القاعدة الأميركية في التنف، تعمل على خلق حالة تهديدٍ مستمرة في المنطقة، بمحاولتها وصل الحدود السورية العراقية لاستمرار تدفق مواردها وأسلحتها إلى قواعدها في مختلف مناطق نفوذ الأسد في سياق تنافسها مع إسرائيل وابتزازها، لتسوية قضاياها مع دول الغرب، واستخدام ميليشياتها لزعزعة أمن المنطقة كما يفعل ذراعها العسكري “حزب الله” في لبنان وسورية. وترى في انتشار ميليشياتها العسكرية في البادية السورية, خطاً دفاعياً متقدماً وعمقاً استراتيجياً لها، ولذلك فإن الولايات المتحدة، تراقب عن كثب التحركات الإيرانية، تحسباً لأي تمددٍ لميليشياتها التي باتت على الضفة الغربية من نهر الفرات وعلى تواصلٍ جغرافيٍ كاملٍ مع ميليشيات الحشد الشعبي في العراق”27″, لتجعلها في حالة إرباك مستمرة، ومع انحسار تنظيم داعش في بؤر متعددة على طول مساحة البادية أصبحت مناطق سيطرة الميليشيات مهددة، لذلك تعمل طهران على زج الآلاف من عناصرها بهدف الحفاظ على مناطق نفوذها, باعتبارها تتصل بالدفاع عن عمقها الاستراتيجي.

في ظل هذه التجاذبات تبدو البادية السورية، تخضع لاستراتيجيات متضاربة، تسير وفق أبعاد مختلفة, يمكن إجمالها بالآتي:

1- البعد العسكري:

هذه المنطقة باتت المجال الحيوي لقوى الصراع في سورية, لكل من الولايات المتحدة بخيارات محدودة رغم قوتها الجوية الساحقة, وكل ما تملكه في أعلى تقدير ما يقارب 1000 من القوات الخاصة وباتت علاقتها مع حليفها, الجيش السوري الحر” فصيل مغاوير الثورة” شبه محاصرين في قاعدة التنف, فيما الحليف الرئيسي لها “قوات سوريا الديمقراطية” ، لديها اتفاق مبطن مع نظام الأسد, ولا ترغب بالدخول في معركة مع الميليشيات التي تدعمها إيران، علاوةً على أن إدارة ترامب مقيدة من حيث قدرتها على عقد صفقة كبيرة مع موسكو بشأن سورية، كما تشهد علاقة واشنطن مع أنقرة توترات متعاظمة نتيجة تسليح الولايات المتحدة للأكراد، الأمر الذي جعل القوات الأمريكية تعمل كقوة عازلة بين القوات التركية ووحدات حماية الشعب الكردي (YPG)، من هنا, تستغل إيران التخبط الأميركي لفتح ممراتها في البادية السورية عبر ثلاثة محاور الأول، محور حميمة المحطة الثانية t2 والمحور الثاني على امتداده شمالاً في ريف منطقة البوكمال من الزاوية الجنوبية الغربية، وهو مجال عمل ميليشيا حزب الله اللبناني وقوات نظام الأسد، والمحور الثالث من داخل الأراضي العراقية حيث يتحرك الحشد الشيعي العراقي وحركة النجباء والحرس الثوري الإيراني لتثبيت نقاط ارتكازها العسكرية في البادية السورية, فيما ينشط تنظيم “داعش” ليلاً ويشن غارات على مواقع الميليشيات الإيرانية.  

وفي الآونة الأخيرة كشف مسؤول محلي ومصدر عسكري في محافظة الأنبار غربي العراق عن وصول تعزيزات أميركية إلى منطقة التنف العراقية على الحدود مع سوريا، غربي المحافظة. وأوضح المصدر المسؤول” أن الهدف من تلك التعزيزات هو تأمين الحدود العراقية مع سوريا، بالتزامن مع العمليات العسكرية التي انطلقت في الجانب السوري ضد آخر معاقل داعش في دير الزور.

2- البعد الأمني:

من خلال استشفاف حيز المواجهة، فإن المنطقة الممتدة من أطراف بغداد الغربية وحتى العاصمة دمشق ذات طبيعية ديمغرافية ومذهبية مشتركة، تعرقل التواجد الإيراني في البادية السورية, الذي يتطلب موارد عسكرية بشرية كبيرة للحفاظ على ميليشياتها المتمركزة  في منطقة صحراوية لا يمكن التحكم برمالها المتحركة الواقعة بالقرب من وادي الفرات، المركز الحضري ذي الكثافة السكانية العالية، وما تقوم به الميليشيات الإيرانية من عمليات تشييع وتهجير للسكان المحليين في الضفة اليمنى للفرات, يشجع على المضي في المواجهة المسلحة مما يزيد من حدّة الصراع وسط تصريحات واشنطن بالعمل على تحجيم الدور الإيراني في المنطقة, ومن ثم إخراج إيران من سورية.

3-البعد السياسي:

اصطدم الوجود الإيراني بتبدلات السياسة الأميركية بعد وصول الرئيس ترامب وفريقه إلى السلطة، ودعوته إلى طرد إيران من المنطقة، بالتفاهم مع روسيا، وقالت مصادر دبلوماسية غربية في لندن، إن أحد مقترحات التفاهم بين واشنطن وموسكو، هو “مقايضة الوجود الأميركي بما فيها قاعدة التنف شرق سوريا بالوجود الإيراني بما في ذلك القواعد العسكرية والميليشيات في كل سوريا”، مشيرة إلى رغبة واشنطن في الاحتفاظ بالقاعدة في زاوية الحدود السورية – العراقية – الأردنية لـ«مراقبة» تنفيذ إخراج إيران. فرغم قرار ترامب سحب قواته من الشمال السوري، إلا أن مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق جون بولتون، شدد على بقاء جنود في قاعدة التنف جنوب سوريا.

 

مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا

تعليق

Powered by Facebook Comments

تعليق