آلاف الدولارات تدفع في سجون سوريا مقابل حرية السجناء

353
الإعلانات

النظام يلتف على العقوبات الدولية بابتزاز المعتقلين قسرا

 
يحاول النظام السوري بكافة السبل التهرب من العقوبات التي فرضت وتفرض عليه. وكانت آخر عقوبات طالت عائلة زوجة رئيس النظام بشار الأسد، بتاريخ 22 ديسمبر (كانون الأول) الماضي. حيث أعلنت الإدارة الأميركية حزمة عقوبات استهدفت 18 فرداً وكياناً في سوريا، وهذه المرة كانت بحق والدها فواز الأخرس، ووالدتها سحر عطري، إضافة إلى إخوتها سحر وفراس وإياد الأخرس، وقريبها زياد.
وكانت هذه العقوبات أتت على خلفية اتهامات موجهة للعائلة باستغلال ظروف الحرب المندلعة في سوريا من أجل مراكمة الأرباح والثروات، وبصفتهم متواطئين مع نظام الأسد، بأعمال الفساد ودعم آلة الحرب التي قضت على عشرات آلاف السوريين، من خلال أعمالهم التجارية والإدارية وعلاقاتهم العامة التي مكنت نظام الأسد، من الالتفاف على العقوبات المفروضة عليه، ودعمت خياره العسكري.
وكشفت المعلومات أن أسماء الأسد وعائلتها يحاولون الاستيلاء على “إمبراطورية” آل مخلوف للسيطرة على مفاصل الاقتصاد المنهار في مناطق سيطرة النظام. وأعلن الكونغرس الأميركي حزمة العقوبات في ذكرى إقرار قانون قيصر (11 ديسمبر 2019)، الذي أتاح فرض عقوبات مشددة على نظام الأسد لدفعه إلى القبول بعملية سياسية وفق القرارات الأممية، لا سيما القرار رقم 2254، الذي ينص على انتقال للسلطة. وكان أُدرج البنك المركزي السوري على لائحة العقوبات، وفُرضت عقوبات في وقت سابق على مديرة مكتب بشار الأسد، لينا محمد نذير الكناية وزوجها عضو مجلس الشعب السوري محمد همام محمد عدنان مسوتي وكياناتهما التجارية. وكانت صحيفة “وول ستريت جورنال” نقلت بتاريخ 4 يناير (كانون الثاني) الحالي، خبراً مفاده أن وزارة الخزانة الأميركية فرضت غرامة مالية قدرها 8.6 مليون دولار على بنك فرنسي، قالت إنه قام بمعالجة مدفوعات لمؤسسات مالية سورية مدرجة على القائمة السوداء للوزارة. ووافق بنك  “Union de Banques Arabes et Françaises SA”، ومقره العاصمة الفرنسية باريس، وسهل تمويل التجارة بين أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، على دفع الغرامة لتسوية مسؤوليته المدنية المحتملة عن الانتهاكات الواضحة للعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على سوريا.

 

المعتقلون والمفقودون في سجن صيدنايا 

وفي سياق متصل، صدر تقرير عن جمعية المعتقلين والمفقودين في سجن صيدناي (ADMSP)، يكشف عن النطاق الواسع للابتزاز في نظام الاحتجاز، وتحدثت عنه صحيفة “الغارديان” البريطانية، في تقرير بعنوان “أهالي المعتقلين السوريين أُجبروا على دفع رشاوى ضخمة لمسؤولين فاسدين”، نشر بتاريخ 4 يناير الحالي. وفي محاولة من قبل النظام للالتفاف على العقوبات يقول التقرير، “إن اعتقال وابتزاز السكان السوريين مصدر رئيس لتمويل نظام الأسد”. ويُجبر أهالي المعتقلين في السجون السورية بشكل روتيني على رشوة المسؤولين للسماح لهم بزيارتهم أو للإفراج عنهم.
ووفق دراسة استقصائية أعدتها جمعية (ADMSP) شملت أكثر من 1200 سجين سابق وأفراد عائلاتهم أفادت أن المبالغ المتضمنة، التي تصل إلى مليوني جنيه إسترليني في سجن واحد، من المرجح أن تساعد كبار أعضاء نظام الأسد على تجنب العقوبات. كما أن نحو ربع الذين شملهم الاستطلاع قالوا، “إنه طُلب منهم أموال الابتزاز”. ودفع البعض بضعة آلاف من الدولارات أو أقل، بينما دفع البعض الآخر، خصوصاً العائلات التي تعيش في المنفى، ما يصل إلى 30 ألف دولار (22 ألف جنيه إسترليني). وأفاد التقرير بأن المسؤولين في أحد السجون حصلوا على أموال بالابتزاز تقدر بنحو 2.7 مليون دولار في المجموع، وأن الحراس والقضاة وأفراد الجيش وفي بعض الحالات الوسطاء، يتلقون اقتطاعات كجزء من شبكة فاسدة تغذي جهاز الأمن في البلاد بمبالغ نقدية كبيرة.

 

صناعة الاحتجاز

ويشير دياب سريح، معد التقرير والشريك المؤسس لـ”ADMSP”، إلى أن هذه الأموال ينتهي بها المطاف في جيوب المسؤولين الفاسدين وأمراء الحرب وما سماه “الحكومة العميقة التي تحكم سوريا من وراء الكواليس”. ويصف ما يحصل بأنه  “صناعة احتجاز”، حيث إن “النظام السوري مبني على أفرع أمنية واستخباراتية، ويدفعون رواتب متدنية لتشجيع الفساد، وتمول الرشاوى البنية التحتية للاحتجاز”.
ويفيد سريح، “بأن هذا الأسلوب صادق عليه شخصيات داخل النظام، حيث يخضع كثير منهم للعقوبات، وهم غير قادرين على الاحتفاظ بحسابات مصرفية في الخارج”. ومن المرجح أن يكون المبلغ الإجمالي للرشاوى أعلى بكثير مما كُشف عنه ضمن التقرير.

 

الاختفاء القسري استراتيجية رئيسة للدولة السورية

يعتبر سجن صيدنايا، وهو منشأة عسكرية في ضواحي دمشق، إحدى أكثر المؤسسات رعباً في سوريا. ووفقاً لتقديرات هيئات الرقابة الإنسانية، اعتُقل أو أُخفي ما بين 100 و250 ألف شخص بشكل قسري قبل بدء الانتفاضة ضد بشار الأسد في عام 2011. وتصاعد هذا العدد بشكل حاد بحلول نهاية عام 2012. ويفيد التقرير بأن عشرات الآلاف من الأشخاص قد تعرضوا للتعذيب أو القتل في السجون السورية منذ بدء حراك ما سمي “الربيع العربي”.
“سريح” سجين سابق، اعتقل في عام 2006 بعد تشكيل مجموعة شبابية معارضة وقضى خمس سنوات كسجين سياسي قبل إطلاق سراحه في 2011، حيث أزال النظام سجون المعارضين لإفساح المجال لتدفق النشطاء والمتظاهرين. وبحسب التقرير، فإن الاختفاء القسري هو استراتيجية رئيسة للدولة السورية، بهدف السيطرة على الناس وترهيبهم، كما أن الاعتقال والابتزاز النقدي للسكان يشكلان مصدراً كبيراً لتمويل الدولة وجهازها القمعي على وجه التحديد.

 

آلاف الدولارات مقابل الحرية

وينقل التقرير بعضاً من شهادات لمعتقلين سابقين قاموا بدفع آلاف الدولارات كرشاوى مقابل حريتهم. أحمد سجين سابق اعتقد أنه لن يرى عائلته مرة أخرى، اعتُقل في تسعة سجون مختلفة خلال ثلاث سنوات ودفعت عائلته 30 ألف دولار رشاوى لإخراجه. قال، “مثل العديد من العائلات، استمرت عائلتي في دفع 1000 دولار هنا و1000 دولار هناك، على أمل أن يعطوها لشخص يقدم لهم معلومات”. في النهاية دفعوا مبلغاً كبيراً لمحام قال لهم، إن بعضاً منه سيحال إلى قاض والبعض الآخر لقوات الأمن.
يقول عبد الله، الذي كان في التاسعة عشرة من عمره، وكان يخطط للفرار من الجيش، حيث كان يقضي خدمته العسكرية الإجبارية، عندما أوقف عند نقطة تفتيش في أكتوبر (تشرين الأول) 2012، واقتيد إلى السجن وتعرض للتعذيب والاستجواب. “كل يوم يموت أربعة أو خمسة أشخاص ويؤخذون خارج الزنزانة، على الأرجح أنهم تضوروا جوعاً حتى الموت”. يتابع أن الحراس كانوا يدخلون الزنزانة ويقومون بالضرب العشوائي، مما يترك السجناء في حالة من الرهاب الذهني. الكلام والقراءة ممنوعان، ومن كان يتعرض للضرب هم السجناء من الطائفة السنية، وليس الطائفة العلوية (طائفة الأسد). ويضيف “عين والداي محامياً لتقليص عقوبتي إلى ست سنوات. دفع المحامي 10 آلاف دولار كرشاوى، وما زلت أنا وإخوتي الثلاثة نعمل لسداد الديون”.
أما نادية، لاجئة سورية في لبنان، تقول إنها رأت زوجها آخر مرة عندما سافر إلى دمشق في ديسمبر 2012 لتجديد أوراق الهوية، وتشرح أنه “كان في سيارة مع والده وسبعة آخرين”، وآخر ما علموه عنهم أنهم وصلوا إلى حمص، حيث اختفوا جميعهم.
في عام 2016، أخبر أحد الجيران نادية أن ابن أخيه في الجيش يمكن أن يساعد في إطلاق سراح زوجها وحماها مقابل المال. ولجمع المال، باعت أرضاً ومنزلاً في سوريا، واقترضت أموالاً من أقاربها وباعت مجوهراتها. وتفيد بأنها دفعت خمسة آلاف دولار. لكن قيل لها إن إطلاق سراحهم وشيك لكن هناك حاجة إلى 5 آلاف أخرى. وبعد أن سُدد من خلال تحويل عبر شركة “ويسترن يونيون” اختفى الأشخاص الذين كانت تتواصل معهم. “لقد كانت عملية احتيال”. وانهارت عندما لم يتحقق الموضوع.
وطالب التقرير المجتمع الدولي بالضغط على أنصار النظام، بخاصة روسيا، للكشف عن مصير المفقودين والسماح لأهاليهم بزيارة من لا يزالون على قيد الحياة. كما طالب المسؤولين بالكشف عن مكان دفن الموتى والسماح باختبار الحمض النووي للرفات حتى يمكن إعادة الضحايا إلى عائلاتهم.

 

سوسن مهنا – اندبندنت
الإعلانات

تعليق

Powered by Facebook Comments

تعليق