كشفت صحيفة فرانكفورتر الغماينة تسايتونغ -نقلا عن دوائر نافذة بصناعة السياسة الخارجية بحكومة مستشارة ألمانيا أنجيلا ميركل- أن مباحثات صناع القرار الغربيين خلف الأبواب المغلقة حاليا مع موسكو تتمحور حول ثلاثة عروض أميركية وألمانية وأوروبية؛ لإغراء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالتخلي عن الرئيس السوري بشار الأسد، ودعمه مفاوضات سلام حقيقية لإعادة الاستقرار إلى سوريا.

ونسبت الصحيفة واسعة الانتشار إلى مسؤولين بارزين بحزبي الائتلاف الألماني الحاكم (المسيحي الديمقراطي الذي تترأسه المستشارة ميركل، والاشتراكي الديمقراطي) إشارتهم إلى أن التواصل الغربي مع روسيا بشأن تخليها عن الأسد مبني على قاعدة “الأخذ والعطاء”.

وأوضح هؤلاء المسؤولون أن العروض الغربية المقترحة تشمل ضمانا غربيا ببقاء روسيا في قواعدها العسكرية بشواطئ سوريا المطلة على البحر المتوسط، والدعم المالي، واعتراف الغرب بها قوة لا يمكن حل مشكلة بالعالم بدونها.

ضمان واعتراف
ولفتت الصحيفة إلى أن الجميع في برلين يعرفون أهمية القاعدتين العسكريتين الروسيتين بميناء طرطوس ومطاراللاذقية، باعتبارهما “يمثلان كل شيء لروسيا في جنوبي البوسفور، ولتحول بدونهما المتوسط لبحر خالص لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، ولدورهما كحجر الأساس لتنظيم حركة وعمليات الغواصات وحاملات الطائرات الروسية بالمنطقة بين مضيق الدردنيل وقناة السويس ومضيق جبل طارق”.

ونقلت فرانكفورتر الغماينة تسايتونغ عن يورغن هاردت ورودريش كيزافيتر ممثل الحزب المسيحي الديمقراطيالحاكم بلجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان الألماني (البوندستاغ)؛ تقديرهما أن بقاء الأسد رئيسا يضمن لروسيا استمرار وجودها بهاتين القاعدتين الممثلتين لأهم مصالحها واهتماماتها بسوريا.

ورأى هاردت وكيزافيتر أن المخاوف الروسية من احتمال تشكيك أي حكومة سورية ديمقراطية في شرعية هذا الوجود تعطى أولوية لتركيز الغرب على موضوع القاعدتين، وإعطاء ضمانات للروس بالبقاء فيهما بعد رحيل الأسد، عبر اتفاق سلام يقنن خروجا منظما للرئيس السوري من الحكم، واعتبر السياسيان الألمانيان أن هذا من شأنه إقناع بوتين بدعم حل سياسي ومفاوضات سلام حقيقية بسوريا.

وفي ما يتعلق بالعرض الثاني المتعلق بالأموال، أوضحت الصحيفة الألمانية -نقلا عن خبراء السياسة الخارجية بحكومة ميركل- أن سوريا دولة فاشلة بحالة اضطراب وتحرق فيها روسيا عقود جنودها وأموالها، وتتورط فيها بشكل ميؤوس منه، مثل ورطة الولايات المتحدة بالعراق، وهي آخر ما يريده بوتين.

واعتبر مسؤولو السياسة الخارجية بالائتلاف الألماني الحاكم أن هذا الجانب يمثل مدخلا للغرب لتحفيز الروس على التوصل لحل سلمي يتم في سوريا تحت رعاية الأمم المتحدة، ويضمن ضخ مليارات لإعادة الإعمار من الغرب ودول الخليج الثرية، المتطلعين لدعم عملية تحول حقيقي على غرار ما جرى لإنهاء الحرب الفيتنامية.

نفوذ دولي
ونوهت فرانكفورتر الغماينة تسايتونغ إلى أن العرض الثالث يعتبر الأهم بمقترحات الغرب، ويتمثل في القبول بتطلعات الرئيس الروسي لتمكين موسكو من نفوذ عالمي، وبإعطاء بلده دور القوة العظمى، ونقلت عن أحد المرتبطين بصناعة السياسة الخارجية بالحكومة الألمانية -ممن فضلوا عدم ذكر اسمهم- قوله “كل طرق ألمانيا وحلفائها لإنهاء الحرب التي استمرت سبع سنوات وقضت على نصف مليون إنسان بسوريا، تمر للأسف عبر إعطائهم لبوتين ما يريده من نفوذ عالمي”.

واعتبر صناع السياسة الخارجية الألمان الذين تحدثت إليهم الصحيفة أن هذا العرض الغربي يعد اعترافا بالواقع وليس استسلاما، وحاجة فرضها عدم وجود بدائل أخرى لإنهاء الكارثة السورية، بسبب حماية روسيا للأسد.

6 أسباب لتشبث موسكو بنظام الأسد.. ما هي؟

رسميا، تقول موسكو إنها تتدخل في سورية لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، لكنها في حقيقة أمرها جاءت لإنقاذ نظام بشار الأسد تدفعها لذلك ستة أسباب، بحسب تقرير لصحيفة لوجورنال دو ديمانش الفرنسية:

أولا، تعتبر روسيا نفسها حامية حمى مسيحيي الشرق، ولذلك فإن الروس ما فتئوا -في معرض تبريرهم التدخل في سوريا- يتحدثون عن التهديد الذي يواجهه مسيحيو سوريا الذين يمثلون 7-9%.

ثانيا، المصالح الروسية الاقتصادية في سوريا مهمة لكنها ليست حاسمة، صحيح أن ميناء طرطوس يوفر قاعدة بحرية هي الوحيدة لروسيا على البحر الأبيض المتوسط وبوابتها على “البحار الدافئة”، كما تمثل قاعدة اللاذقية الجوية ثاني أكبر أسطول عسكري لروسيا في المنطقة.

ومن الأمور المهمة كذلك لروسيا أن تحبط محاولات قطر لبناء خط أنابيب يمر عبر سوريا يمكن أن ينافس خط الغاز الروسي إلى أوروبا، ناهيك عن كون نظام بشار الأسد زبونا كبيرا لمبيعات الأسلحة الروسية.

ثالثا، تريد موسكو الحيلولة دون انتشار عدم الاستقرار السوري إلى بلدان على حدود روسيا، إذ يرى الكرملين أن لهيب الشرق الأوسط يمكن أن يمتد بسرعة إلى آسيا الوسطى والقوقاز، وهو ما ترى فيه تهديدا مباشرا لأمنها، وربما لهذا السبب يعتبر بوتين أن موجات الربيع العربي مثلت تهديدا لأمن بلده.

رابعا، تريد روسيا أن تقف في وجه الهيمنة الأميركية وأن تغير النظرة إليها بوصفها “قوة إقليمية”، إذ كان الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما قد أثار حفيظة الكرملين عندما وصف روسيا في عام 2014 بأنها “قوة إقليمية” تفقد نفوذها شيئا فشيئا.

وترى الباحثة الفرنسية إيزابيل فوكون في التدخل الروسي بسوريا ردا مباشرا على تصريحات أوباما، ولسان حالها يقول “نحن قوة عالمية يمكننا أن نتدخل متى ما هددت مصالحنا”.

خامسا، روسيا تخشى تغيير الأنظمة التي تدور في فلكها، ولا تريد أن يظل الغرب يبعد نفوذها في المناطق تلو المناطق، كما فعل في جورجيا وأوكرانيا وقرغيزستان وروسيا البيضاء ولبنان والعراق وليبيا.

سادسا، يرفض الروس الفكرة الغربية القائمة على “التدخل من أجل حماية” المدنيين، ويشككون في حدود “المسؤولية عن الحماية” التي هي أهم المبررات الغربية للتدخل، وترى أنها تتم وفق معايير عشوائية للغاية.

فموسكو لم تستطع أن تنسى سابقة الحرب في ليبيا، إذ اكتفت بالامتناع عن التصويت بدل اللجوء للفيتو ضد قرار إقامة منطقة حظر جوي في ليبيا، مشترطة ألا يكون ذلك بدافع قلب النظام، ورأت في إعدام معمر القذافي انتهاكا للقرار، ولذلك فهي تستخدم حق النقض الفيتو في كل قرارات مجلس الأمن المتعلقة بسوريا.

المصدر: الجزيرة نت

Comments

comments

اترك رد