بعد أن أبرمت إيران وسوريا في 16-1-2017، خمسة اتفاقيات تتعلق بمنح ترخيص لمشغل إيراني لشبكة هاتف نقال وتخصيص خمسة آلاف هكتار لإنشاء ميناء نفطي وخمسة آلاف أخرى كأراض زراعية في سوريا.

وذكرت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية، أن أحد الاتفاقات الخمسة، على أن تستغل إيران مناجم الفوسفات في منطقة تقع على بعد 50 كم جنوب مدينة تدمر الأثرية.

يسلّط موقع بالميرا مونيتور الضوء على الفوسفات ومنح النظام لأكبر مناجم الفوسفات في سوريا لإيران.

الفوسفات من الناحية الجيولوجية:

يوجد خام الفوسفات في العالم في هيئة معادن تدخل في تركيب بعض الصخور النارية وتحتوي على عنصر الفوسفور، أو في هيئة رسوبية مختلفة التركيب والأصل.

إن وجود الفوسفات في طبقات متناسقة التركيب والسماكة، عظيمة المساحات، تحتوي على حفريات لحيوانات بحرية، يجعلنا لا نشك في أنها رواسب من أصل عضوي تراكمت في قاع بحر عميق كانت تكثر فيه أسماك القرش. وقد تكوّنت “الجريت الفوسفاتي” بفعل الفوسفات الذائبة الناتجة عن تحلل الأجزاء اللينة للأسماك في كربونات الكالسيوم الناتجة عن تكسّر الأصداف البحرية أثناء ترسّبها، محوّلة إياها جزئياً إلى فوسفات الكالسيوم.

أما ارتفاع نسبة الفوسفات التي تحويها هذه الطبقات، أثناء وبعد ترسبها، فيرجع إلى فعل الماء المشبع بثاني أوكسيد الكربون الذي يذيب كربونات الكالسيوم ويطردها تاركاً الفوسفات غير قابل للذوبان.

ويعتقد البعض أن التفاعل بين الفوسفات الذائبة في ماء البحر الناتجة عن تحلل الكائنات البحرية وبين الحبيبات الرويسبية الجيرية المعلقة، يهيّء ظروفاً ملائمة لترسب فوسفات الكالسيوم. ويتركّب صخر الفوسفات معدنياً من الكولوفانيت المحبب المجبول بالأباتيت الموجود في بقايا عظام أسنان الاسماك والزواحف. وقد ثبت أن فوسفات القصير تحتوي على 0.004 بالمئة من أوكسيد اليورانيوم (ى3أ). وكذلك أثبت البحث أن فوسفات السباعين تحتوي على 0.0078 بالمئة من هذا المركب.

والفوسفات مادة طبيعية، يتكون أساساً من فوسفات ثلاثي الكالسيوم وهو قليل الذوبان في الماء لذلك لا يستعمل بشكل مباشر، إلا بعد معالجته وتحسين جودته بتجفيفه وتنقيته (إزالة المواد العضوية وثنائي أوكسيد الكربون وفصله عن الصلصال).

من أهم مشتقات الفوسفات. الأسمدة الفوسفاتية المستعملة في الفلاحة وحمض الفوسفوريك (H3PO4). وتقاس جودة الفوسفات بنسبة خماسي أوكسيد الفوسفور.

تتواجد معظم صخور الفوسفات في الطبيعة على شكل أحد الصور التالية:

  • صخور فوسفات ذات أصل رسوبي: وهي أهم الرواسب من حيث الانتشار والحجم والاستغلال، حيث تشكل حوالى (80%) من الرواسب العالمية ويتراوح تركيز خامس أوكسيد الفوسفور فيها ما بين (20%-30%) وهى رواسب بحرية حبيبية مماثلة للتي في مصر ودول شمال أفـريقيا وكذلك في شمال المملكة العربية السعودية وفى العراق والأردن.
  • صخور فوسفات ذات أصل ناري: وهي ناتجة من صخور سيانيت النيفيلين وصخور الكربوناتتيت والبيروكسينات المحتوية على قدر كبير من المعادن الفوسفاتية التي من أهمها معدن الآباتيت، وهذه الرواسب غير شائعة، ومن أمثلتها رواسب خنبي في روسيا.
  • رواسب الجوانو: وهي ناتجة من تراكم مخلفات الطيور البحرية فوق الصخور الجيرية، كرواسب جزيرة نيورا في المحيط الهادي.

يستخدم الفوسفات في العديد من الصناعات الكيميائية أهمها:

تحضير عنصر الفوسفور وحامض الفوسفور المستعمل في الصناعات التعدينية والحربية والطبية والغذائية والخزفية والنسيج وأعواد الثقاب.

ويذهب معظم الفوسفات المستخرج لصناعة الأسمدة لزيادة المحاصيل الزراعية، بالإضافة إلى إمكانية استخراج بعض المعادن النادرة والعناصر المشعة. ومن بين هذه العناصر، يوجد اليورانيوم كمنتج جانبي الذي يمكن الحصول عليه أثناء تحويل الفوسفات إلى أسمدة أو حمض الفوسفور.

ويحتوي خام الفوسفات الصحراوي على (200 جرام) من اليورانيوم للطن الواحد. (ملاحظة.. طن صخر الذهب يحتوى على (3 جرامات: 80 جراماً)، ويتم التقاتل عليه، أما طن الفوسفات فيحتوي على 200 جرام).

إن الاهتمام الدولي بالفوسفات أمر طبيعي، باعتباره يدخل في جملة من الصناعات التحويلية والتي من أهمها استخراج اليورانيوم والأسمدة الكيميائية، مما يجعله مورداً هاماً يحظى بطلب متزايد من قبل أغلب دول العالم وخصوصاً تلك التي تهتم بالإنتاج الزراعي وتدافع عن أمنها الغذائي، الذي أصبح مرتبطاً إلى حد ما بقدرة البلد في الحصول على هذه الأسمدة، بإعتبار ذلك عاملاً لرفع كمية الإنتاج الزراعي، وهذا ما يجعل الطلب على الأسمدة الكيميائية يحظى بعناية كبيرة في السوق الدولية، ولذا ليس غريباً أن يسعى المغرب إلى الإحتكار الكلي للأسمدة الفوسفاتية التي تشكل في الظرف الحالي، ما يقارب 80% من الإنتاج العالمي للأسمدة.

ويستخدم الفوسفات أيضا: في صناعة المنظفات كعنصر مساعد على تخفيف عسر الماء، في الزراعة يكوّن الفوسفات أحد ثلاثة عناصر لتغذية النباتات؛ تستخدم في صناعة الأسمدة.

ومن الاستخدامات الصناعية للفوسفات الصخري: إنتاج حامض الفوسفوريك، وإنتاج المركبات الفوسفاتية الكيمائية. ويعتبر الفوسفات الصخري المصري من أنواع الفوسفات النقية نسبياً على مستوى العالم، ويتم تصديره إلى بعض الدول الصناعية الكبرى مثل اليابان، للعديد من الأغراض الصناعية المتقدمة. أما على صعيد الاستخدام الزراعي، فيتم استخدام الصخر الفوسفاتي لإنتاج سماد سوبر فوسفات الكالسيوم 15% (فو 2أ5) بتفاعيل الصخر الفوسفاتي مع حامض الكبريتيك. يستخدم الصخر الفوسفاتي لإنتاج سماد سوبر فوسفات الكالسيوم (تربل فوسفات) وذلك بتفاعل الصخر الفوسفاتي مع حامض الفوسفوريك. ويستخدم الصخر الفوسفاتي كذلك في الزراعات العضوية مع استخدام أنواع البكتريا المذيبة للصخر الفوسفاتي.

وتصادف التوضعات الفوسفاتية في عدة مناطق في سورية، أهمها السلسلة التدمرية، وفي الجزء الشمالي من سلسلة الجبال الساحلية وذلك في طبقات الكريتاسي العلوي وحتى الميوسين، وأهم المكامن هي: الشرقية و خنيفيس ووادي الرخيم.

ويقدر الإحتياطي المدروس في مناجم الشرقية، جنوب غربي تدمر على بعد 50 كيلومتراً (بمليار و800 مليون طن) حالياً يضاف إليها احتياطي مناجم فوسفات خنيفيس الواقعة جنوب غربي تدمر بـ 70 كم والبالغ 14 مليون طن تقريباً.

ويبلغ احتياطي الرمل الملون في مرملة القريتين شمال بلدة القريتين (44 مليون طن)، ومن الرمال النقية الصالحة لصناعة الزجاج (150 مليون طن)، وقد تم البدء بالإنتاج عام 1980 وتقدر الطاقة الإنتاجية السنوية (بمليار ومليوني طن سنوياً) من الرمال ويمكن زيادة هذه الكمية بناء على متطلبات التسويق.

ويبلغ عدد العاملين في الشركة العامة للفوسفات والمناجم والمديريات التابعة لها، حوالي (ثلاثة آلاف) عامل بين فنيين وإداريين وعمال عاديين.

وأحدثت الشركة العامة للفوسفات والمناجم والتي مقرها محافظة حمص، بموجب المرسوم التشريعي رقم 122 لعام 1970 المعدل بالمرسوم رقم 199 تاريخ 29-3-2001 حيث يشكل الفوسفات مصدراً اقتصادياً مهماً وعاجلاً حيوياً في تطور الزراعة من خلال الدور البارز التي تلعبه الأسمدة الفوسفاتية بأنواعها واستعمالاتها المتزايدة.

ويقدر إنتاج الشركة مليوناً و495 ألف طن، وبنسبة تنفيذ بلغت 96 بالمئة، كما باعت الشركة (مليوناً و349 ألف طن) من إنتاجها من الفوسفات خلال عام 2010.

وأنتجت الشركة خلال نفس الفترة (33 ألفا و696 طناً) من الملح الصخري و (686 ألفاً و551 طناً) من الرمال الكوارتزية.

وأسعار الفوسفات تقدر وسطياً بحدود (130 يورو) للطن من ذات العام، ما أدى إلى زيادة في إيرادات الشركة الفعلية وتحقيق فوائض إضافية وأن أرباح الشركة كانت تقدر (بمليارين ومليوني ليرة سورية).

وقامت الشركة بزيادة الإنتاج من 2مليون و700 ألف طن إلى أكثر من عشرة ملايين طن سنوياً.

وكميات الفوسفات الخام في العالم ضئيلة جداً، وتتم مبادلة الفوسفات مباشرة على شكل ثنائي فوسفات الأمونيوم الذي تعتبر الولايات المتحدة أول منتج له في العالم، وفي شكله الخام يعد المغرب أول مصدر عالمي للفوسفات، وأطلقت السعودية مؤخراً أعمال بناء مصنع لإنتاج ثنائي فوسفات الأمونيوم للتحويل محلياً الفوسفات المستخرج من مناجمها.

مناجم الفوسفات السورية في قبضة تنظيم الدولة:

سيطر تنظيم الدولة “داعش”، على المناجم الفوسفات في منطقتي (خنفيس والصوانة) جنوب غربي تدمر في شهر أيار من عام 2015، بعد سيطرته على مدينة تدمر ، كما استمر التنظيم بالسيطرة عليها، بعد أن استعاد النظام وحلفائه مدينة تدمر في شهر آذار من عام 2016.

وقال خبير فرنسي، إن استيلاء تنظيم داعش على مناجم الفوسفات في سوريا له “دلالة رمزية”، نظرا لصعوبة استثمار أو بيع هذه المادة التي تستخدم في إنتاج الاسمدة.

وقال “فيليب شالمان” الأستاذ في جامعة باري دوفين والأخصائي في المواد الأولية: إن الفوسفات الخام الموجود في مناجم خنيفيس قرب مدينة تدمر الأثرية “غير قابل للاستخدام على شكله الحالي”. ويجب أولاً تحويله إلى حمض فوسفوري ثم ثنائي فوسفات الأمونيوم الذي يدخل في تركيبة الأسمدة الزراعية.

وقال الأستاذ الجامعي: إن هذه العملية مستحيلة من الناحية التقنية بالنسبة إلى تنظيم داعش، خلافاً لما يحصل بالنسبة إلى النفط “الذي يمكن تكريره بسهولة دون تقنيات عالية”.

وتابع أنه بالإضافة إلى ذلك، ليس هناك سوق سوداء للفوسفات تسمح ببيع ما ينتج من المنجم سراً، وأضاف “شالمان” أنه حتى إذا كانت مناجم خنيفيس تعد ثاني أهم مناجم الفوسفات في سوريا، فان الاستيلاء عليها “له دلالة رمزية” لأن الجهاديين “غير قادرين عملياً على بيع الفوسفات. فكيف يمكن إخراجه من البلاد؟”.

وقال إن المنطقة التي يسيطر عليها تنظيم داعش “محاصرة تماما”، وبالتالي لا يمكن الوصول إلى الموانئ الكبرى في المنطقة. ويجب نقل الفوسفات في شاحنات وهذا لن يكون مربحاً إطلاقاً، نظراً إلى سعر الفوسفات المنخفض نسبياً في الأسواق العالمية ويقدر بـ (100 إلى 120 دولاراً) للطن.

ويرى مراقبون،  أن تلك الاتفاقيات بين دمشق وطهران، تمكّن إيران من السيطرة المطلقة على الاقتصاد السوري، لأن “نظام الأسد منحهم أكثر القطاعات ربحية كالنفط والكهرباء والأغذية”.

كما تحاول إيران وعبر تلك الاتفاقيات، استرجاع الأموال التي قدمتها لنظام بشار الأسد خلال الحرب، سواء عبر السلاح أو أموال لدعم الليرة السورية من الانهيار، وتأمين الرواتب والأجور لموظفي الدولة بعد تراجع الواردات السورية وتوقف عائدات الخزينة.

وأشار آخرون، إلى أن “شيئاً ما يحصل الآن، كخلاف بين الأسد وإيران حول الدور الروسي في سورية، وهو ما دفع إيران إلى زيادة الاتفاقات والدخول في قطاعات حيوية رابحة بالمطلق، كاستثمار الهواء عبر مشغل خليوي ثالث، واستيراد الفوسفات من سورية التي تمتلك احتياطي كبير منه.

وتجدر الإشارة إلى أن النظام السوري، منح إيران الفوسفات رغم كون مناجم خنفيس والصوانة ضمن مناطق سيطرة تنظيم داعش .

 

رابط مختصر للدراسة :  https://goo.gl/9B32jA

بحث وتدقيق قسم الدراسات – بالميرا مونيتور

Comments

comments

1 COMMENT

اترك رد