تعد البادية التدمرية جزءاً متواضعاً من البادية أو بادية الشام أو الصحراء السورية (مع بعض التجاوز الجغرافي لمفهوم الصحراء). وتشمل البادية التدمرية البقاع القريبة من تدمر وحوضها وما يحيط بهما من فيافي البادية السورية، التي سنوليها عناية خاصة في إطار هذه الدراسة الهادفة إلى إبراز العلاقة الوثيقة بين البيئة الجغرافية الطبيعية وطريق الحرير في سورية وباديتها بصورة خاصة.

إن الحديث عن البيئة الجغرافية الطبيعية يتطلب منا التذكير أن العناصر المكونة للبيئة منفردة، والبيئة بأكملها مجتمعة، لا توجد منعزلة، بل تؤلف نوعاً من المركّب والوحدة المتكاملة حسب قوانين وأنظمة طبيعية يتم فيها استغلال الطاقة والمواد وتبادلها لتأليف نظام بيئي طبيعي. وهذا يعني أن دراستنا للعناصر الجغرافية الطبيعية منفردة، يجب أن تقودنا في نهاية المطاف إلى الحديث عن مركب متكامل لنظام بيئي جغرافي طبيعي، يؤثر في الإنسان ونشاطاته المختلفة بشكل أو بآخر. ولما كانت طريق الحرير التاريخية واحدة من مظاهر نشاط الإنسان قبل أكثر من ألفي سنة مضت، فإننا سندرس تأثير العناصر البيئية الجغرافية الطبيعية عليها وفيها في قطاعها السوري قبل وصولها إلى البحر المتوسط، أو استمرارها في شبه جزيرة آسيا الصغرى إلى القسطنطينية (بيزنطة) براً.

إن العلاقة بين الطريق من جهة والبيئة الجغرافية الطبيعية من جهة أخرى، علاقة وثيقة تكون فيها البيئة فاعلة ومؤثرة وموجهة. وتبرز هذه العلاقة واضحة في الحالات التي تكون فيها تقنيات الإنسان ومعارفه في مجال شق الطرق بدائية وضعيفة، الأمر الذي نجده واضحاً في الطرق القديمة وفي الدروب والمسالك غير المعبدة في الجبال والبوادي والهضاب وغيرها. إن التقنيات الحديثة والمتطورة في هندسة الطرق وشقها، تسمح في كثير من أجزاء الطرق بتجاوز الحتمية البيئية، وكان الإنسان يتغلب على الصعوبات الطبيعية والعقبات الأرضية ببناء الجسور على الأودية والخوانق وفتح الأنفاق في الجبال، لكنها، أي الطرق، تبقى في مساراتها العامة خاضعة للمؤثرات الطبيعية، والتضريسية منها بصورة خاصة. ومما يؤكد دور العناصر الجغرافية الطبيعية في رسم محاور الطرق واتجاهاتها ومسالكها، سير الكثير من الطرق الحالية ولمسافات طويلة على هدى ومحاور طرق قديمة، أو أنها تنطبق عليها في مساراتها. ويعد عنصر الأرض بتضاريسها وانحداراتها وصخورها وتربتها أهم هذه العناصر، إضافة إلى عنصر الماء المشروب وتوافره على مسافات كافية في محطات على الطريق. أما العلف والطعام كعناصر مؤثرة فيمكن أن ينقلا مع القوافل، إن قضت الضرورة بذلك وكانت المسافات الخالية من المرعى ومحطات التزود بهما طويلة.

تعد طريق الحرير البرية واحدة من أهم الطرق القديمة وأطولها وأشهرها في العالم، امتدت من الصين إلى سواحل البحر المتوسط الشرقية وإلى بيزنطة مسافة تقدر بنحو 9000 كيلو متر. وترجع شهرة الطريق إلى القرن الثاني ق.م، الذي يرى الباحثون أنه التاريخ المتفق عليه لنشأتها ولقد استمر نشاطها حتى القرن الثامن الميلادي، أي قرابة ألف عام.

خضعت طريق الحرير ومسارها لتأثير طبيعة سطح الأرض وطبوغرافيتها، كما سارت موجهة من قبل التوزيع الجغرافي للتضاريس والعوائق الأرضية من جبال وهضاب وجروف. وكان تأثرها بهذه العناصر كبيراً، طغى على تأثير المناخ وتوافر الماء في أغلب أجزائها.

أما المؤثرات البشرية والتاريخية والسياسية فإنها وإن كانت ذات أهمية بارزة في حياة الطريق والحركة على امتدادها وحمايتها وصيانتها، فإنها تبقى محدودة الأثر في رسم محور سير الطريق ومسلكها إلا ما ندر، وفي حالات خاصة لا علاقة لها بالأوضاع الجغرافية الطبيعية. كأن تمنع دولة ما السير على طريق معينة، مما يضطر القوافل إلى التحول عنها إلى طريق أخرى مأمونة ومسموح بالسير عليها. فالطريق تكون مرسومة، لكن السير عليها قد يكون محظوراً لسبب ما.

 

في هذه الدراسة لن نتعرض إلى مؤثرات سوى المؤثرات الجغرافية الطبيعية أولاً، وفي نطاق البادية السورية والبادية التدمرية ثانياً، لإبراز دور تدمر وواحتها كمحطة أساسية على هذه الطريق التاريخية.

1ـ أرض البادية وتضاريسها:

تعرف الأصقاع الواقعة يمين وغرب وادي نهر الفرات باسم (الشامية). نقسمها من الناحية الجغرافية الإقليمية إلى الشامية الشمالية، والشامية الفعلية أو البادية السورية، يفصلهما عارض تضريسي يؤلف سلسلة الجبال الوسطى وسلسلة الجبال التدمرية. والبادية السورية وهي محور دراستنا، عرفت قديماً ببادية السماوة، ذكرها ياقوت بقوله “إنما سميت السماوة لأنها أرض مستوية لا حجر فيها… وهي التي بين الكوفة والشام” وتؤلف إقليماً جغرافياً يمتد على الجزء الجنوبي الشرقي من سورية وعلى الفيافي الغربية من العراق والبقاع الشرقية من المملكة الأردنية الهاشمية وشمالي المملكة العربية السعودية، وتعرف بالصحراء السورية أيضاً.

ويقسم هذا الإقليم إلى منطقتين جغرافيتين هما: الحمادُ في الغرب والجنوب، والفيضاتُ مع الوديان في الشرق وباتجاه وادي نهر الفرات، ويتبع الفيضات حوض تدمر.

تنتهي البادية في الشمال عند أقدام سلسلة الجبال التدمرية وجبل البشري. وفي وسط شريط التماس (البادية ـ الجبال) يقع حوض تدمر المغلق، حيث قامت عاصمة البادية تدمر، بوابة أهل الوَبَر إلى المعمورة، ومنفذ أهل المَدَر إلى الصحراء. وفي هذا الشريط وفي حوض تدمر تلتقي بيئتان هما:

1ـ بيئة جبلية جافة جرداء في الشمال والشمال الغربي.

2ـ بيئة سهلية ـ هضبية منبسطة صحراوية حتى شبه صحراوية في الجنوب والشرق.

والأصل في هذه الازدواجية هو الحركات البنائية (التكتونية) والأوضاع الجيولوجية التي كونت هذا الجزء من المشرق العربي، إذ قامت الحركات البنائية بتشويش الطبقات الصخرية الرسوبية الأفقية، بظهور الطيات والصدوع التدمرية، التي نهضت على امتداد محورها سلاسل الجبال التدمرية وتوابعها على هيئة سلاسل خطية رشيقة تبدأ في حوض دمشق في الجنوب الغربي وتتجه إلى تدمر والبشري في الشمال الشرقي. ويراوح ارتفاع هذه الجبال بين 700ـ1300م فوق سطح البحر. وهي جبال صخرية عارية ووعرة، سفوحها الجنوبية الشرقية شديدة الانحدار، والشمالية الغربية أقل انحداراً. رسمت العمليات الجيومورفولوجية معالم هذه التضاريس لكنها لم تقطع شوطاً بعيداً في تغيير أشكالها الأولى، مما جعلها تحافظ على بنيتها الأصلية بنسبة عالية، ويمكن تصنيفها في زمرة التضاريس البنيوية.

وبالمقابل بقيت أرض البادية السورية وطبقاتها الصخرية الرسوبية جنوب البيئة الجبلية دون تشويش يذكر، فحافظت الطبقات الصخرية على أفقيتها أو أنها مالت قليلاً، الأمر الذي انعكس على السطوح الجيومورفولوجية المكونة للفيافي الشاسعة المنبسطة العديمة الانحدارات أو ذات التموجات الضعيفة الواسعة الواقعة على ارتفاعات تراوح بين 250ـ600م فوق سطح البحر، مع فوارق خاصة بكل من منطقتي الحماد والفيضات:

آ ـ منطقة الحماد:

يعتمد تقسيم البادية السورية إلى منطقتي الحماد والفيضات وتوابعها إلى أسس جغرافية طبيعية وجيولوجية. ففي وسط الإقليم يقوم جرف جيومورفولوجي ارتفاعه بين 30ـ60 متر وطوله أكثر من 80 كم بدور الحد الفاصل بين المنطقتين. فإلى الجنوب والغرب من هذا الجرف الذي يعرف بأسماء مختلفة مثل طرق العلب وفروع تارات العلب وظهر حمرة الزقف، تمتد هضبة الحماد، وإلى الشرق والشمال منه تنبسط الفيضات وتوابعها. ومنطقة الحماد أعلى من الفيضات، ويقع مستواها العام بحدود 600 متر فوق سطح البحر،وتؤلف هضبة واطئة مترامية الأطراف تمتد من جنوب حوض تدمر إلى حدود صحراء النفوذ، أرضها منبسطة ذات انحدارات ضعيفة جداً، مستوية تماماً في بقاع، ومتموجة مع فروق ارتفاعات ضئيلة في بقاع أخرى، تتفق في سطحها الطبوغرافي هذا مع ميول طبقات الصخور العائدة للباليوجين من الحقب الجيولوجي الثالث التي يندر أن تزيد ميولها على /5ـ7/ درجات، مما يظهر أثر البنية الجيولوجية في تضاريس الحماد. والحماد غني بالخبرات والأحواض الصغيرة المغلقة، حتى عُرف وسطه بأرض الخباري. وفي المنطقة عدد من الأودية السيلية القادمة من الأطراف العالية، جميعها عديمة التصريف إلى البحار، وتنتهي إلى إحدى الخبرات أو المنخفضات المغلقة الأخرى. ولا تؤلف هذه الأدوية أية عقبات تضريسية ولا تعيق حركة الإنسان والرواحل لأن جوانبها لطيفة الانحدار وتنعدم في معظم أجزاء أكثر الأودية العريضة لدرجة لا يستطيع المرء معها تمييز أرض الوادي من جوانبه إلا عن طريق اختلاف ألوان توضعات الوادي الفاتحة والنباتات المسايرة لتعرجاته، في حين تغطي الأراضي الفاصلة بين الأودية مساحات شبه خالية من النباتات ينتشر عليها غطاء من الحجارة الحادة الزوايا من الصوان أو الحجر الكلسي، هي التي دعت إلى تسميتها بالحماد أي الصحراء الحجرية.

تنتهي منطقة الحماد في الغرب بحاجز تضريسي يفصلها عن حوض دمشق، مؤلف من هضبة بركانية اندفاعية تعلوها البراكين تعرف بديرة التلول. وهي بقعة وعرة جداً جرداء قاحلة مياهها نادرة فقيرة بالآبار. وتقترب الأغشية البركانية السوداء من الجبال التدمرية شمالها حتى تكاد تلتحم بها عند مفازة أبي الشامات.

ب ـ منطقة الفيضات:

تتميز هذه المنطقة الواقعة شرق وشمال شرق الحماد بانخفاضها العام إذ يقع ارتفاعها المتوسط بحدود 200ـ300 متر فوق سطح البحر. وبأنها غنية بالأودية وبالفيضات وهي منخفضات واسعة قليلة العمق تفيض على أرضها السيول ومنها أخذت اسمها. ويغلب على سطح المنطقة الانبساط والاستواء بصورة عامة مع انحدار يبدأ من أقدام الجرف الصخري وباتجاه الشرق إلى وادي الفرات، ومع ذلك فإن سطح الفيضات أكثر تخدداً من سطح الحماد لكثرة الأودية السيلية التي تقطعه وتتعمق فيه أكثر من /50/ متراً في المجاري العليا والوسطى وبحدود /20ـ30/ متراً أو دون ذلك في المجاري الدنيا، وهي أطول، وتقسم منطقة الفيضات إلى أراض (الفيضات) نفسها، وتقع في الشمال بين جبل البشري ووادي الفرات وجرف طرق العلب وتارات العلب. وإلى أرض (الوديان) التي تتممها من ناحية الجنوب ومعظمها في الأراضي العراقية حالياً. ودعيت بالوديان لكثرة شبكات الأودية الجافة التي تجتازها، نذكر منها أودية عامج (أو عمج) ووادي حوران وهو أكبرها وأطولها (445 كم تقريباً)، وكلاهما في العراق، ثم وادي الرتقة ورافده عكاشة فوادي الصواب ورافده الوعر ثم وادي المياه فوادي الخويمة ووادي الصرايم فوادي المربعة. تليها في الشمال أودية الغضبان والهيل والضباعية وغيرها. وتعد الأودية الواقعة شمال وادي الرتقة ـ عكاشة من معالم أرض الفيضات وتنتهي أودية هذه المنطقة إلى الفرات بعد رسمها انحناءات محدبة نحو الشمال في أرض الفيضات، وجوانب الأودية قاسية في معظم القطاعات وذات قيعان منبسطة عريضة تتراوح بين /500ـ1000 متر/ وسطياً. والكثير منها كوادي الصواب والمياه والمربعة وافرة المرعى غنية بالمياه الجوفية القريبة من السطح، تكثر فيها الآبار والحسيان. وجدير بالذكر أن وقوع منطقة الفيضات والوديان في مستوى أدنى من مستوى منطقة الحماد، جعلها تستقبل السيول الهابطة من أطراف حافة الحماد المشرفة بالجرف الصخري المذكور على الفيضات والوديان، تلك السيول التي تتدفق في الأدوية عقب هطول الأمطار وتخلف وراءها حفراً تتجمع فيها المياه تعرف بالغدران أو الروضات. وتؤلف مع المنخفضات الفيضية مصادر مؤقتة للمياه السطحية. ومن الفيضات الهامة قباقب والجب وابن موينع والمالحة والمربعة وغيرها.

حوض تدمر:

منخفض واسع يقع في مكان متوسط على طريق الحرير بين بلاد الرافدين والبحر المتوسط الشرقي، عند أقدام الجبال التدمرية ونهايتها الشمالية الشرقية والتحامها بالجبال الوسطى. وهو حوض عديم التصريف يقع دون مستوى /400 متر/ فوق سطح البحر، تشغل أخفض أجزائه سبخة الموح ومملحتها الواقعة على ارتفاع /375 متر/ فوق سطح البحر. وإلى الشمال من السبخة قامت مدينة تدمر. والحوض منخفض بنائي تكوّن في النيوجين والحقب الرابع الجيولوجي نتيجة حركات صدعية تضافرت مع الأعمال الجيومورفولوجية المتأخرة لرسم صورة الحوض. إذ امتلأ بالرسوبيات البحيرية الرباعية في بحيرة تدمر القديمة التي زالت ولم يبق من آثارها سوى سبخة الموح والرسوبيات المذكورة.

إن حوض تدمر يؤلف نواة البادية التدمرية وقطبها، ويمتد تأثيره خارج حدود الحوض المغلق إلى مسافات بعيدة جنوباً حتى أقدم جروف طرَق العلب وفروع تارات العلب، وشرقاً حتى أرض الفيضات. أما شمالاً وغرباً فتقف الجبال حائلاً بين البادية التدمرية وما وراء الجبال، إلا عبر الممرات والمفاوز الجبلية، كما هو الحال في ممر ثنية الملح ومفازة الدَّو غرب تدمر، ووادي قصر الحلابات في الجنوب الغربي، ووادي الأبيض والرهاوي في الشمال ومفازة الطيبةـ الكوم في الشمال الشرقي. أما شرقاً فالأرض مفتوحة ولا عقبات تعيق الحركة والانتقال عليها باتجاه وادي الفرات.

إن العرض الموجز للأوضاع الطبيعية لأرض البادية وسطحها في الفقرات السابقة يؤكد على أن البادية مجال مفتوح وذات أرض صالحة للسير عليها في أكثر أرجائها، وبالتالي يتم عبورها على طرق من النموذج الحر غير المقيد أو الإلزامي، خلا مواقع محددة جداً، كاختيار منفذ في واد حافاته ذات جروف قاسية، أو الابتعاد عن أرض تربتها (هَيام) أي طرية أو رملية أو سبخية أو تفادي أرض صخرية وعرة.

إن نموذج الطرق الحرة هذا يسمح للإنسان باختيار الطريق القصيرة والسهلة والمريحة التي تمر على مواقع المياه والمراعي بالنسبة للقوافل التجارية القديمة. وهذا يدعونا للتعرف على عنصري الماء والنبيت (النبات الطبيعي) في البادية.

2ـ مياه البادية ونبيتُها:

يراوح عدد ساعات سطوع الشمس السنوية في البادية السورية عامة بين /3400ـ3700/ ساعة وأمطارها السنوية الحالية بين /70ـ130 مم/ وبالتالي فإن الحرارات عالية والتبخر مرتفع جداً. إن هذه الأوضاع المناخية ذات الطابع شبه الصحراوي حتى الصحراوي السائدة حالياً، لم تتغير كثيراً منذ بضعة آلاف من السنين، ولكنها كانت أكثر إيجابية بنسبة محدودة تراوح بين /25ـ50%/ بالقياس إلى الأوضاع الحالية. والنتيجة الطبيعية لهذه الأوضاع انعدام الجريان السطحي المائي في البادية إلا من السيول المؤقتة التي تجري في الأودية الجافة إثر هطول أمطار كافية. لذا اعتمد الإنسان على تأمين المياه من مصادر جوفية دائمة نسبياً، وعلى مياه سطحية مؤقتة. وتكثر المياه السطحية في حفر قيعان الأودية على شكل غدران أو روضات أو في نهاياتها على هيئة فيضات أو خبرات، لكن عمر هذه المياه المطرية السيلية العذبة قصير، ويغور قسم منها في الصخور والتربة، وقسم يتبخر فلا يبقى منها سوى القليل في الشتاء والربيع.

أما المياه الجوفية فهي وإن كانت قليلة كماً ومسوسة نوعاً، تبقى مياهاً دائمة يوصل إليها عن طريق الآبار العميقة نسبياً (وتسمى الخرايج) وهي غزيرة المياه في الغالب، أو الحسيان القليلة العمق المحدودة الغزارة. ومياهها إما أن تكون (قراح) أو (ملاح) أو (مجة) أي عذبة أو مالحة أو مرة المذاق. والآبار في الفيضات والوديان والبادية التدمرية أكثر عدداً وأقل عمقاً من آبار الحماد، أغلبها في الأودية الكبرى كوادي حوران والصواب والمياه. كذلك ابتدع الإنسان القنوات الضمنية في نطاق التقاء الجبال بالبادية للحصول على المياه، كما في الطيبة والسخنة وتدمر وغيرها، كما أنشأ البرك وصهاريج جمع مياه الأمطار والسيول في الأودية أو قريباً منها، تشاهد أطلالها وبقاياها في جنوبي الفيضات وعلى جوانب الطرق الرئيسية القديمة. بعضها لازال مستعملاً حتى اليوم كبركة الطيار على طريق تدمر ـ دمشق. وجدير بالذكر أن غالبية هذه المنشآت المائية قديمة وترجع إلى العهدين الروماني والتدمري، أو أقدم منهما.

أما نبيت البادية فلقد تأثر بالأوضاع المناخية السابقة، وبخاصة كميات الأمطار الأعلى ومقادير التبخر الأدنى نسبياً ـ إذ سادت تكوينات نباتية أكثر كثافة وتنوعاً تتألف من جنبات قزمة مختلطة الأنواع تأتلف مع الظروف شبه الجافة والجافة، تتداخل مع غطاء من الأعشاب الغنية، الفقيرة بالأشجار. ولقد قدرت كثافة التغطية النباتية لسطح البادية بنحو 10ـ40% من المساحة العامة قبل نحو 8000 سنة مضت (TAVO: آ ـ 5 ـ 12/1990) مع ارتفاع هذه الكثافة على امتداد مجاري الأودية. وهذا يعني توافر مرعى مناسب لدواب القوافل التجارية العابرة للبادية السورية ولمنتجعي أرجائها، مما جعل عنصر النبات الطبيعي من عناصر البيئة الجغرافية الطبيعية الإيجابية على امتداد طريق الحرير في البادية السورية.

3ـ محاور الطرق في البادية السورية:

ذكرنا أن سطح البادية المنبسط وشبه الخالي من العقبات الأرضية يسمح بتصنيف الطرق العابرة للبادية في زمرة الطرق الحرة بصورة عامة. لكنها تبقى في خطوطها الكبيرة ومحاور سير حزم طرقها ومسالكها خاضعة لمؤثرات الوحدات التضريسية الكبرى في سورية غرب وادي الفرات. فما أن تجتاز القوافل التجارية وغيرها وادي الفرات وتدخل الشامية، حتى تجد نفسها أمام أصقاع شبه صحراوية وحتى صحراوية ذات تضاريس جبلية وعرة قاسية تحيط بتضاريس سهلية ـ هضبية لينة منبسطة، يندس فيها لسان جبلي. ففي شمال سورية تنهض سلاسل جبال طوروس العالية مشرفة على سهول الجزيرة والشامية الشمالية وهضبة حلب. وفي الغرب ترتفع سلاسل جبلية تساير الساحل الشرقي للبحر المتوسط بأكمله. وتستمر جنوباً حتى سواحل خليج العقبة والبحر الأحمر وتقف حاجزاً بين الداخل السوري وموانئ البحر المتوسط وتعيق الاتصال بينهما إلا عن طريق الممرات الطبيعية عبر الجبال.

أما جنوبي البادية السورية والشامية عامة فتنعدم السلاسل الجبلية ـ لكن زمرة من الأشكال التضريسية المعيقة للسير والحركة تبرز في الحماد تمثلها الأغشية البركانية والحرات الوعرة وصحراء النفود وتوابعها من تضاريس تدفع بالقوافل التجارية للسير على طرق تتحاشاها. وهكذا يكتمل الطوق التضريسي المعيق للسير حول الشامية من الشمال والغرب والجنوب بالنسبة للمغادر لوادي الفرات إلى الغرب. وتكتمل صورة العلاقة بين محاور الطرق والتضاريس في الشامية بواسطة العارض الجبلي الذي يتوسط الشامية ممثلاً بالجبال التدمرية والجبال الوسطى، ذلك العارض الذي يتصل في الغرب بجبال لبنان الشرقية وينتهي في الشرق بجبل البشري، ويشطر الداخل السوري إلى سهول ومنبسطات الشامية الشمالية، والبادية السورية أو الشامية الجنوبية وفيافيها وبطاحها في الجنوب.

إن هذا التوزيع الجغرافي للوحدات التضريسية الكبرى فرض في الماضي ولازال يفرض في الحاضر على الإنسان محورين أساسيين للسير ورسم المسالك هما:

ـ محور الفرات الذي يساير الوادي حتى مسكنة (إيمار ـ بالس)، ثم يتجه إلى حلب فآسيا الصغرى عبر الأبواب السورية في كيليكية، أو إلى البحر المتوسط. ولا يمر بتدمر والبادية.

ـ محور الفرات ـ البادية السورية ـ تدمر، ويسير جنوب العارض الجبلي إلى حوض تدمر، ومنه إلى دمشق أو إلى حمص عبر سهل الدو. وهو المحور الذي يهمنا في هذه الدراسة.

تسلك محور الفرات ـ تدمر عدة طرق تبدأ من مواقع مختلفة على الفرات ولكنها تجتمع في مدينة تدمر ملتقى طرق البادية ومسالكها في الماضي والحاضر، ولم يختلف تأثير عامل الأرض وطبيعتها، نظراً لبقاء الأوضاع التضريسية ـ الجبومورفولوجية التي وجدت فيها طريق الحرير والطرق القديمة دون تغير يذكر. الأمر الذي يجعلنا نطمئن إلى رسم خط سير الطرق السابقة في البادية، ومنها طريق الحرير دون كبير خطأ. أضف إلى ذلك أهمية موقع تدمر نفسها. إذ أن الأسباب والعوامل التي كانت وراء قيام تدمر في موقعها الجغرافي المميز، هي نفسها التي دفعت بطرق المواصلات للالتقاء فيها والمرور بها منذ القدم وفي الحاضر. فهنا وليس في موقع آخر ساعدت الظروف الجغرافية الطبيعية على قيام تجمع بشري، مما جعل منها ملتقى إجبارياً للطرق لتوافر الماء والمواد الغذائية والعلف على سيف البادية وتماسها مع الجبال. وفيما يلي الطرق العابرة للبادية بين الفرات وتدمر الصالحة لسير القوافل التجارية والجيوش عليها.

1ـ طريق هيت ـ تدمر: وتبدأ من هيت على الفرات وتتجه شرقاً إلى قصر كبيسة فقصر عامج فالقعرة. ومنها نحو الشمال الشرقي ثم محوير على وادي حوران ثم قصر الحلقوم على شعيب الحلقوم حتى يصل إلى قصر الصواب على وادي الصواب، ومنه إلى حوض وادي المياه حيث تنتشر الآبار والحسيان وآثار الثغور والمعسكرات الرومانية في أم الصلابيخ ومسيليط وآبار سجري، تسير الطريق بعدها محاذية لأقدام الجرف الصخري الفاصل بين الحماد والفيضات في فروع تارات العلب وطرق العلب إلى البيوض فأم العمد ثم تدمر. وطولها بحدود 460 كم، وتخترق مناطق أشد جفافاً من الطرق الأخرى، لموقعها الجنوبي المتطرف.

2ـ طرق الصالحية (دورا أوروبوس) ـ تدمر: تقع إلى الشمال من الطريق السابقة. تنطلق من الصالحية على الفرات مسايرة للمجرى الأدنى لوادي الصواب حتى مقرنة مع وادي الوعر، أو تتجه إلى موقع حميمة على وادي المياه، ومنها تسير الطريق غرباً ـ غرباً شمالياً حتى تدمر مروراً بوادي المربعة وحسيان المنبطح، وطولها أكثر من 250 كم.

3ـ طريق الرحبة ـ تدمر: وتبدأ من رحبة مالك بن طوق قرب المياديه، غرباً مع المجرى الأدنى لوادي الخور، مخترقة الفيضات الشمالية حتى بلدة السخنة ومنها إلى تدمر وطولها 220 كم تقريباً.

4ـ طريق قرقيساء (بصيرة) ـ تدمر: وتساير طريق الرحبة ـ تدمر من جهة الشمال، وتتجه نحو الغرب الجنوب الغربي إلى بئر دخول ثم إلى قباقب فبئر محيفير، تلتحم بعد ذلك بالطريق القادمة من الطيبة في الشمال، ومنها إلى السخنة فتدمر، وطولها بحدود 200 كم.

5ـ طريق القريّا (بيرتا) ـ تدمر: وتبدأ من موقع القريّا على الفرات شمال غرب دير الزور وتتجه نحو الجنوب الغربي إلى بئر القصيبة ذات المياه المسوسة (عمق المياه 2 متر فقط)، ومنها إلى قباقب مسايرة النهايات الجنوبية لجبل البشري، ثم غرباً حتى تلتقي مع طريق قرقيسياء ـ تدمر، فالسخنة ثم تدمر، ويقرب طولها من 200 كم أيضاً.

إن الطريق الأولى (هيت ـ تدمر) رغم طولها وتباعد محطات توافر الماء عليها كانت من المسالك المطروقة في الحالات والعصور التي يصعب السير فيها على الطرق الأخرى لأسباب غير طبيعية في أغلبها. ولعل أكثر هذه الطرق استعمالاً من قبل القوافل التجارية هي الطرق الثلاث الأخيرة لقصرها وسهولة الحركة والسير عليها عامة. علماً أن القوافل قد تختار هذه الطريق أو تلك بيسر وبحسب الظروف لأنها جميعها تنطلق من محور طريق الفرات أي أن القافلة يمكنها أن تغادر الفرات عند هيت أو الصالحية أو قرقيسياء، أو القريّا، بحسب الأوضاع والأوقات المناسبة لها، ولأنها تنتهي في آخر المطاف في مدينة تدمر. والأمر صحيح أيضاً في الاتجاه المعاكس، أي من تدمر إلى الفرات.

هذا فيما يخص الطرق القادمة من الفرات إلى تدمر، التي تتمتع بنوع من حرية الحركة والاختيار. أما الطرق الخارجية من تدمر إلى المعمور السوري في الغرب، فتخضع لدرجات متباينة من القيود الطبيعية التي تفرضها طبيعة الأرض والتضاريس، متمثلة بالسلاسل الجبلية التدمرية والممرات والمفاوز فيها. وهذه الطرق هي:

1ـ طريق تدمر ـ دمشق: وتنطلق من تدمر نحو الجنوب مسايرة للأطراف الغربية لسبخة الموح ثم نحو الجنوب الغربي إلى وادي قصر الحلابات وبئره العذبة المياه بين جبل الأبتر وجبل الخان مروراً بجوار خان القطّار حتى موقع البصيري وثنيه ثم وادي رماح باتجاه خان عنيبة ثم خان المنقورة فخان التراب فخان أبي الشامات فالضمير. وهنا تصبح الطريق مقيدة بالمرور في ممر ومفازة أبي الشامات الضيقة نسبياً لوجود جبال عالية شمال الطريق وأغشية بازلتية واندفاعية وعرة جنوبها، تؤلف نهاية ديرة التلول باتجاه الجبال التدمرية. بعدها تتابع الطريق سيرها إلى دمشق مسايرة أقدام نهايات جبال لبنان الشرقية، ويبلغ طول هذه الطريق نحو 230 كم. إن طريق تدمر ـ دمشق ذات محور موجه ومفروض رسمته محاور السلاسل الجبال التدمرية. إذ تسير في أغلب أجزائها في أودية جبلية محصورة بين الجبال الأم وسلسلتها الهامشية، وتتحاشى السير على طريق أقدام الجبال مع أطراف البادية. مؤمنة بذلك المرور على عدد من الآبار، والحماية من أي خطر قادم من البادية بسلوكها الأودية الواقعة خلف جبال الأبتر ورماح وتلال البطميات.

2ـ طريق تدمر ـ حمص: وتتجه غرباً فتجتاز ممر ثنية الملح التي يدل اسمها على إسهام تدمر بتزويد القوافل المارة بها بسلعة تجارية مهمة هي ملح سبخة الموح. ومنها إلى مفازة الدَّو الواسعة بين الجبال الوسطى في الشمال والسلسلة التدمرية في الجنوب، وتمر الطريق على البيضاء والتياس ثم على الفرقلس فحمص وطولها نحو 145 كم. ويتفرع عنها طريق تتجه نحو الجنوب الغربي من موقع البيضاء إلى القريتين وعبر جبال القلمون إلى دمشق.

وهناك طريق مهمة لا يمكن اغفال ذكرها في مجال الحديث عن طريق الحرير في سورية لقيامها بدور صلة وصل بين طريق وادي الفرات ـ حلب الشمالي وطريق وادي الفرات ـ تدمر الجنوبي. وهي الطريق التي تبدأ من الرقة على الفرات وتتجه جنوباً إلى الرصافة فالكوم فالطيبة ثم السخنة فحليحلة فالأرك ثم تدمر، ومنها تنطبق الطريق على طريق تدمر ـ دمشق. وتعرف هذه الطريق المارة بين جبل البشري وجبل أبي رجمين ونهاياته بالطريق الديوقلسيانية الرومانية.

وبناء على الأوضاع البيئية الجغرافية الطبيعية ومسارات الطرق المذكورة نميز بين زمرتين من الطرق على امتداد طريق الحرير عبر تدمر، هي زمرة الطرق الحرة وزمرة الطرق المقيدة المفروضة على الشكل التالي:

أ ـ الأجزاء الحرة من الطريق أو مجموعة المسالك، وتمتد بين الفرات وتدمر.

ب ـ الأجزاء المقيدة والمفروضة وهي الطرق الخارجة من تدمر إلى دمشق أو إلى حمص.

مع الأخذ بعين الاعتبار أن بعض الأجزاء والمواقع في الطرق الحرة يكون مفروضاً، وبعضها في الطرق المقيدة يكون حراً نتيجة وجود عارض طبيعي تضريسي أو انعدامه.

 

خاتمة:

نشأت تدمر في حوض مغلق على هامش البادية السورية عند أقدام سلاسل جبلية، مثلها في ذلك مثل مدينة دمشق مع فارق غنى الأخيرة بالمياه التي جلبت الخير والخصب لدمشق. وكان اعتماد بقاء تدمر على مصادر مياه محدودة من نبع أفقا ونبع السراي، وما تدره زراعة الواحات واقتصادها المحدود. والتجارة التي اشتهرت بها وكانت ركيزتها. وما كان لهذه الركيزة أن تدوم لولا الدور البالغ الأهمية للموقع الجغرافي لتدمر. فهي ممر وعقدة طرق مواصلات تلتقي فيها شرايين التجارة والحضارات بين آسيا وحوض البحر المتوسط وبلدانه، منذ أقدم العصور. وتدمر وجدت وعرفت قبل طريق الحرير، وعليها سارت قوافل أقدم من قوافل عهد ازدهار طريق الحرير، جذبها موقع تدمر الجغرافي ونشاط سكانها، مما جعل منها مركزاً تجارياً مميزاً وعقدة مواصلات مهمة في قلب سورية منذ القدم، برزت فيما بعد كواحدة من أهم محطات الواحات على طريق الحرير.

إن هذه الحقائق على أهميتها وقيمتها العلمية المؤكدة لمركز مدينة تدمر وموقعها الجغرافي، غير كافية لتحديد مسار طريق الحرير بين تدمر والفرات، وبينها وبين المعمور السوري في الغرب تحديداً دقيقاً. الأمر الذي لا يمكن التوصل إليه بشكل صحيح إلاّ بمعرفة البيئة الجغرافية واعتماد المعطيات الجغرافية الطبيعية، وعلى رأس هذه المعطيات عنصر الأرض وتضاريسها وسطحها وطبيعتها وجيومورفولوجيتها التي تسهل حركة سير الإنسان ورواحله في قوافل محملة بالأثقال، أو تعيقها أو تقلل من سرعتها. وتزداد أهمية معرفة عنصر الأرض والسطح لأنه عنصر شبه ثابت على مدى عشرات القرون، أي أن التضاريس التي مرت عبرها طريق الحرير سارت على أرضها قوافله قبل ألفي عام لم تتغير أشكالها وطبيعتها حتى اليوم إلا بقدر لا يستحق الذكر ولا يؤثر على أحكامنا في تحديد مسار الطريق القديمة ورسم خط سيرها الدقيق.

لذا فإن اعتماد المعطيات الجغرافية الطبيعية وبصورة خاصة عنصر تضاريس الأرض وطبيعتها الذي فرض تأثيره على الإنسان الذي كان يفتقر إلى التقنيات المعاصرة، ولازال يؤثر فيه حتى الآن بأسلوب أو بآخر، هو ركيزة أساسية في دراسة الطرق والمسالك، ومن ثم أرى إجراء دراسات جغرافية طبيعية على امتداد طريق الحرير البرية لتعميق معارفنا عنها وللتأكد من خط سيرها الصحيح.

 

 

عادل عبد السلام – الحوليات الأثرية العربية السورية|المجلد الثاني والأربعون|1996


Comments

comments

اترك رد